أبو علي سينا
208
القانون في الطب ( طبع بيروت )
فصل في الاستدلال من الأفعال الحركية وما يشبهها من النوم واليقظة وأما الدلائل المأخوذة من جنس الأفعال الحركية ، فأما بطلانها وضعفها فيدل على رطوبة فضلية في آلاتها رقيقة كثيرة ، ويدل في أي عضو كان على آفة قي الدماغ إلا أن الأخص به ما كان في جميع البدن كالسكتة أو في شق واحدٍ كالفالج واللقوة الرخوة . وربما اتفقا أعني البطلان والضعف من حرّ الدماغ أو يبسه في نفسه أو في شيء من الأعصاب النابتة عنه ، لكن ذلك يكون بعد أمراض كثيرة ، وقليلًا قليلًا وعلى الأيام والذي في عضو واحد كالاسترخاء ونحو ذلك . فربما كان لأمراض خاصة بذلك العضو ، وربما كان عن اندفاع فضل من الدماغ إليه وأما تغيرها فإن كان بغتة دلّ على رطوبة أيضاً وإن كان قليلًا قليلًا فعلى يبوسة ، أعني في الآلات والذي يخصّ الدماغ فمثل تغيّر حركات المصروع بالصرع الذي هو تشنّج عام ولا يكون إلا عن رطوبة ، لأنه كائن دفعة أو بمشاركة عضو آخر بحسب ما تبيّن ، ويدلّ على سدّة غير كاملة ومثل رعشة الرأس ، فإن جميع هذه يدلّ على مادة غليظة في ذلك الجانب من الدماغ أو ضعف أو يبوسة إن كان بعض أمراض سبقت وكان حدوثه قليلًا قليلًا . وأما ما كان في أعضاء أبعد من الدماغ ، فالقول فيه ما قلنا مراراً وهذه كلّها حركات خارجة عن المجرى الطبيعي ، ونقول أيضاً إن كان الإنسان نشيطاً للحركات فمزاج دماغه في الأصل حاراً ويابس ، وإن كان إلى الكسل والاسترخاء فمزاجه بارد أو رطب . وإذا كان به مرض وكانت حركاته إلى القلق هو حار . وإن كانت إلى الهدء ولم تكن القوّة شديدة السقوط ، فهو إلى البرد . ومما يناسب هذا الباب الاستدلال من حال النوم واليقظة : فاعلم أن النوم دائماً تابع لسوء مزاج رطب مرخٍ أو بارد مجمّد لحركة القوى الحسية ، أو لشدّة تحلّل من الروح النفساني لفرط الحركة أو لاندفاع من القوى إلى الباطن لهضم المادة ، ويندفع معها الروح النفساني بالاتباع كما يكون بعد الطعام . فما لم يجر من النوم على المجرى الطبيعي ولم يتبع تعباً وحركة ، فسببه رطوبة أو جمود فإن لم تقع الأسباب المجمّدة ولم تدلّ الدلائل على إفراط برد مما سنذكره ، فسببه الرطوبة ثم ليس كل رطوبة توجب نوماً . فإن المشايخ مع رطوبة أمزجتهم ، يطول سهرهم ويَرَى جالينوس أن سبب ذلك من كيفية رطوباتهم البورقية ، فإنها تسهر بأذاها للدماغ ، إلا أن اليبوسة على كل حال مسهّرة لا محالة . فصل في الدلائل المأخوذة عن الأفعال الطبيعية مما ينتفض وما ينبت من الشعر وما يظهر من الأورام والقروح